الشيخ محمد رشيد رضا
126
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
من يقصد الحرم للنسك أو غير النسك فقدم حرم التعرض لهم بقوله وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ أي ولا تحلوا قتال آمين البيت الحرام أي قاصديه المتوجهين اليه ، يقال أمّه ويممه وتيممه إذا توجه اليه وعمده وقصد اليه قصدا مستقيما لا يلوي إلى غيره . والبيت الحرام هو بيت اللّه المعروف بمكة المكرمة الذي حرمه وما حوله أي منع أن يصاد صيده وان يقطع شجره وان يخلا خلاه - أي يؤخذ نباته وحشيشه - وجعله آمنا لا يروع من دخله ( راجع ومن دخله كان آمنا في أول الجزء الرابع ) يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً أي يطلبون بأمهم البيت وقصده التجارة والحج معا . أو ربحا في التجارة ورضاء من اللّه يحول بينهم وبين عقوبته في الدنيا فلا يحل بهم ما حل بغيرهم في عاجل دنياهم ، وبهذا فسره ابن جرير ورواه عن أهل الأثر بناء على أن المراد بالكلام هنا المشركون . فروى عن قتادة أنه قال هم المشركون يلتمسون فضل اللّه ورضوانه فيما يصلح لهم دنياهم . وفي رواية أخرى عنه : والفضل والرضوان الذي يبتغون : ان يصلح لهم معايشهم في الدنيا وان لا يعجل لهم العقوبة فيها . وروى عن مجاهد أنه قال : يبتغون الاجر والتجارة . وعن ابن عمر أنه قال في الرجل يحج ويحمل معه متاعا « لا بأس به » وتلا الآية . ولم يرو فيها عن ابن عباس الا أنه قال « يترضون ربهم بحجهم » وروى عبد بن حميد عن الربيع بن أنس انه فسر الفضل من ربهم بالتجارة والرضوان بالحج نفسه . ولهذا قال قتادة ومجاهد وغيرهما ان هذه العبارة من الآية منسوخة بقوله تعالى في سورة براءة « فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ » وقال بعضهم انها نسخت بقوله تعالى في المشركين « فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا » وقال أبو مسلم المراد بالآية الكفار الذين كانوا في عهد رسول اللّه ( ص ) فلما زال العهد بسورة براءة زال ذلك الحظر اه أي لم ينسخ الحكم ولكن زال الوصف الذي نيط به ، وقال بعض المفسرين ان الآية في المسلمين فهي محكمة وحكمها باق فلم تنسخ ولم بنته حكمها . ومن فسر القلائد بمن كان يتقلد من المشركين قال إن النهي عن احلالها منسوخ أيضا . وقد روي أن هذه السورة من آخر القرآن نزولا وانه ليس فيها شيء منسوخ